الشيخ هادي كاشف الغطاء

30

مستدرك نهج البلاغة

لربوبيته ، ودانوا لدوام أبديته ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه ، اختاره بعلمه ، واصطفاه لوحيه ، وأتمنه على سره ، وانتدبه لعظيم أمره وإضاءة معالم دينه ومناهج سبيله ، وجعله مفتاحا لوحيه ، وسببا لرحمته ، ابتعثه على حين فترة من الرسل ، واختلاف من الملل ، وهدئة من العلم ، وضلال عن الحق ، وجهالة بالرب ، وكفر بالبعث . أرسله رحمة للعالمين ، بكتاب كريم قد فصّله وفضّله وبيّنه وأوضحه وأعزه وحفظه ، ضرب للناس فيه الأمثال وصرّف فيه الآيات ، وحرّم فيه الحرام ، وأحل فيه الحلال ، وشرع فيه الدين لعباده عذرا أو نذرا ، لئلا يكون للناس على اللَّه حجّة ، ويكون بلاغا لقوم عابدين . فبلَّغ رسالته وجاهد في سبيله ، وعبده حتى اتاه اليقين ، صلى اللَّه عليه وسلم تسليما كثيرا . أوصيكم - عباد اللَّه - ونفسي بتقوى اللَّه الذي ابتدأ الأمور بعلم ، وإليه يصير معادها ، وبيده فناؤكم وفناؤها ، فكأن قد زالت عنكم كما قد زالت عمن قبلكم ، فتزوّدوا من الدنيا ، فإنها دار عمل وابتلاء ، والآخرة دار قرار وجزاء ، ولن تعدو الدنيا - إذا تناهت إليها أمنية الراغب فيها المطمئن إليها المفتون بها - أن تكون كما قال اللَّه - عزّ وجلّ - : « كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والانعمام » فاتقوا اللَّه عزّ ذكره وسارعوا إلى رضوانه والعمل بطاعته - ثم قرأ عليه السّلام سورة العصر وصلى على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وجلس قليلا ثم قام فقال : - الحمد للَّه أحقّ من خشي وعبد وأولى من عظَّم ومجّد ، نحمده لعظيم غنائه ، وجزيل عطائه ، وتظاهر نعمائه ، وحسن بلائه ، ونؤمن بهداه الذي لا يخبو ضياؤه ، ولا يتهمّد سناؤه ، ونعوذ به من سوء الرّيب ، وظلم الفتن ، ونستعصمه من مساوء الأعمال ومكاره الآمال .